الخبير و المحكم الدولي ـ أ.مروان السباعي

تعتبر جريمة تبييض الأموال أو غسيل الأموال من أخطر الجرائم التي يمكن أن تأثر على اقتصاد الدول.

حيث تعرّف كعمليّةُ تحويل لكميّات كبيرة من الأموال وقع الحصول عليها بطرق غير قانونيّة و شرعية إلى أموال سليمة المصدر و المنشأ وقابلة للتّداول في الأنشطة الإقتصادية.
ويُعتبر غسيل الأموال جريمة من الجرائم التي يعاقب عليها القانون، بسبب تأثيرها السلبيّ على الاقتصاد حيث تتيح إمكانيّة التصرّف بالأموال المغسولة وتوظيفها في مجموعةٍ من النّشاطات الإقتصادية عن .طريق إخفاء مصادرها غير المشروعة، كما تُساعدهم على التوسّعِ في أعمالهم غير القانونيّة وكسب المزيد من هذه الأموال

فجريمة غسيل الأموال هي كل عملية تستهدف إضفاء صبغة الشرعية على أموال تم الحصول عليها من مصدر غير مشروع تقتضي حتما وجود جريمة جريمة اصلية سابقة تكون قد نتجت عنها عائدات و فوائد مادية .

وحيث تطرق المشرع لهذه الجريمة صلب القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 و المتعلق بمكافحة الإرهاب و منع غسل الأموال.
حيث إقتضى الفصـل 92 أنه » يُعدّ غسلا للأموال كل فعل قصدي يهدف، بأي وسيلة كانت، إلى التبرير الكاذب للمصدر غير المشروع لأموال منقولة أو عقارية أو مداخيل متأتية، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، من كلّ جناية أو جنحة تستوجب العقوبة بالسجن لمدة ثلاث سنوات أو أكثر ومن كل الجنح المعاقب عليها بمجلة الديوانة .
ويعتبر أيضا غسلا للأموال، كل فعل قصدي يهدف إلى توظيف أموال متأتية، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، من الجرائم المنصوص عليها بالفقرة السابقة ، أو إلى إيداعها أو إخفائها أو تمويهها أو إدارتها أو إدماجها أو حفظها أو محاولة القيام بذلك أو المشاركة فيه أو التحريض عليه أو تسهيله أو إلى المساعدة في ارتكابه.
جريمة غسل الأموال مستقلة في قيامها عن الجريمة الأصلية، ويكون إثباتها بتوفر ما يكفي من القرائن والأدلة على عدم شرعية الأموال موضوع الغسل.
وتجري أحكام الفقرات المتقدمة ولو لم ترتكب الجريمة المتأتية منها الأموال موضوع الغسل داخل تراب الجمهورية. »

حيث إقتضى الفصـل 93 أنه يُعاقب مرتكب غسل الأموال بالسجن من عام إلى ستة أعوام وبخطية من خمسة آلاف دينار إلى خمسين ألف دينار.
ويمكن الترفيع في مبلغ الخطية إلى ما يساوي نصف قيمة الأموال موضوع الغسل.
كما إقتضى الفصـل 94 أن العقاب يكون بالسجن من خمسة أعوام إلى عشرة أعوام وبخطية من عشرة آلاف دينار إلى مائة ألف دينار إذا ارتكبت الجريمة:
ـ في حالة العود،
ـ ممّن استغلّ التسهيلات التي خولتها له خصائص وظيفته أو نشاطه المهني أو الاجتماعي،
ـ من قبل تنظيم أو وفاق.
ويمكن الترفيع في مبلغ الخطية إلى ما يساوي قيمة الأموال موضوع الغسل.
كما إقتضى الفصـل95 أنه يعاقب مرتكب جريمة غسل الأموال، إذا كانت عقوبة السجن المستوجبة للجريمة الأصلية التي تأتت منها الأموال موضوع عملية الغسل تتجاوز ما هو مقرّر للجريمة المشار إليها بالفصلين 93 و94 من هذا القانون، بالعقوبة المستوجبة للجريمة الأصلية إذا كان على علم بها.
ولا تؤخذ بعين الاعتبار في ضبط العقوبة المستوجبة لجريمة غسل الأموال سوى ظروف التشديد المقترنة بالجريمة الأصلية التي علم بها مرتكب جريمة غسل الأموال.
كما إقتضى الفصـل 96 أنه تنسحب العقوبات المشار إليها بالفصول المتقدمة، حسب الحالة، على مسيّري الذوات المعنوية وعلى ممثليها وأعوانها والشركاء فيها ومراقبي الحسابات إذا ثبتت مسؤوليتهم الشخصية عن هذه الأفعال.
ولا يمنع ذلك من تتبّع هذه الذوات المعنوية إذا تبيّن أن عملية الغسل تمت بواسطتها أو لفائدتها أو إذا حصلت لها منها مداخيل أو إذا تبيّن أن غسل الأموال يمثل الغرض منها ويكون العقاب بخطية تساوي خمس مرات قيمة الخطية المستوجبة للذوات الطبيعية ويمكن الترفيع فيها إلى ما يساوي قيمة الأموال موضوع الغسل.
كما لا يحول ذلك دون سحب العقوبات التأديبية والإدارية المستوجبة بمقتضى التشريع الجاري به العمل عليها بما في ذلك حرمانها من مباشرة النشاط لمدة معينة أو حلّها.
كما إقتضى الفصـل97 أن تتولى الجهة القضائية المتعهدة الإذن بحجز الأموال موضوع الغسل وكذلك ما حصل، مباشرة أو بصفـــة غير مباشـرة، من جريمة غسل الأموال، وعلى المحكمة أن تقضي بمصادرتها لفائدة الدولة.وتودع وجوبا الأموال المصادرة بحساب خاص يفتح على دفاتر البنك المركزي باسم الخزينة العامة للبلاد التونسية.
وفي صورة عدم التوصل إلى الحجز الفعلي فإنه يقع الحكم بخطية تعادل قيمة الأموال التي وقعت عليها الجريمة لتقوم مقام المصادرة.
وعلى المحكمة أن تقضي بحرمان المحكوم عليه، حسب الحالات، من مباشرة الوظائف أو الأنشطة المهنية أو الاجتماعية التي استغلّ بمقتضاها التسهيلات المخوّلة له لارتكاب عملية أو عدة عمليات غسل أموال وذلك لمدة لا يمكن أن تتجاوز خمسة أعوام.
ويمكن الحكم بالمراقبة الإدارية على مرتكبي غسل الأموال مدة خمسة أعوام.
ولا يمنع ذلك من الحكم بكل أو بعض العقوبات التكميلية الأخرى المقرّرة قانونا.

و حيث قامت الجهات المختصة في تونس بالعديد من المبادرات قصد التصدي لهذه الجرائم.

حيث كشف تقرير التقييم الوطني لمخاطر “سيل الأموال وتمويل الارهاب” الذي أنجزته اللجنة التونسية للتحاليل المالية بتكليف من رئاسة الحكومة سنة 2017 بالتعاون مع وزارتي الداخلية والعدل، أنّ مستوى هذه المخاطر في تونس “مرتفع نسبيا” وذلك وفق قائمة تهديدات تصدّرها الفساد والتهرب الديواني والتهرب الضريبي والجرائم السبيرنية كقرصنة الحسابات المالية والبطاقات البنكية التي تشكل عائداتها المالية مخاطر عليا على القطاع المالي و الاقتصادي على مستوى غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

و حيث جاء في التقرير أنّ النقد بالدينار والعملة والجمعيات وشركات التجارة الدولية غير المقيمة والقطاع العقاري وقطاع الذهب من الأدوات و القطاعات ذات المخاطر العليا لاستعمالها في جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما حدد التقرير بعض الدول ذات التهديد عالي المخاطر في مجال غسل الأموال وتمويل الإرهاب بالنظر الى الوضع الجغراسياسي للمنطقة.
وأشار التقرير إلى تحليل ثلة من الخبراء التونسيين في مجال مكافحة الجرائم المالية تحليلا استراتيجيا لأكثر من 460 ملفا من ملفات غسل الأموال وتمويل الإرهاب المحالة على القضاء و 2000 حساب بنكي والآلاف من العمليات البنكية من إيداع وسحب وتحويل فاقت ما يعادل عشرة مليارات دينار وتوزيع اكثر من 160 استبيان وجمع الاف البيانات والاحصائيات المالية والامنية والقضائية والاستعلامية.
وطالت عملية التقييم الوطني التي أشرف على تنفيذها إطارات اللجنة التونسية للتحاليل المالية والبنك المركزي التونسي وقضاة واطارات امنية و ديوانية أكثر من 150 جهة من القطاع الخاص والعام وتطلبت أكثر من 500 إطار وما يزيد عن 16 الف تصريح في عمليات نقدية.
وخلص التقرير الى أن القطاع البنكي عرضة لمخاطر عليا في مجال غسل الأموال وتمويل الإرهاب وأن ذلك يتطلب من البنوك دعم الموارد البشرية المكلفة بمراقبة الامتثال خصوصا اضافة الى وضع البرامج التكوينية و اقتناء الوسائل و البرمجيات الملائمة في اطار النهج القائم على المخاطر بهدف خفضها.